مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

294

شرح فصوص الحكم

القيصري في شرح هذا الكلام لما كان إيمان فرعون في البحر حيث رأى طريقا واضحا عبر عليها بنو إسرائيل قبل التغرغر وقبل ظهور أحكام الآخرة له مما يشاهده الناس عند الغرغرة جعل إيمانه صحيحا معتدّا به فإنه إيمان بالغيب تم كلامه وليس بصحيح لأنه لو جعل إيمانه صحيحا معتدّا به لم يتوقف في آخر كلامه أصلا فقد توقف وجعل الإجماع دليلا على توقفه فقال هذا هو الظاهر الذي ورد به القرآن ولم يقل نص ثم نقول بعد ذلك والأمر فيه إلى اللّه لما استقر في نفوس عامة الخلق من شقائه فتبين آخر الكلام ما هو المراد من قوله فقبضه اللّه طاهرا مطهرا وهو الجواز لا الصحة أي فجاز أن يقبضه اللّه ظاهرا مطهرا وقد ثبت في علم الأصول أن الكلام يتوقف على آخره إن كان آخره مغيرا بمنزلة الشرط والاستثناء والشيخ قد حرر كلامه في مسألة فرعون على هذه القاعدة وإن كان منفصلا في الظاهر لكنه متصل في المعنى لأن الكلام في مسألة واحدة وهي مسألة فرعون مع أنه جاز عند البعض منفصلا فالحكم والاعتبار للآخر دون الأول فكل ما ذكر من الأدلة في حق إيمان فرعون مجمل يحتمل البيان ، فقوله : ثم إنا نقول بعد ذلك والأمر فيه إلى اللّه بيان المجمل وهو بيان تفسير فيصح موصولا ومفصولا وما علم هذا الشارح مراد النص ، فغلط ومن غلطه غلط بعض الناس حتى أكثر الصوفية في زماننا فشاع هذا المعنى فيما بينهم فاشتهر فزعموا أن الشيخ قد ذهب إلى أن فرعون من أهل الإسلام وهو بريء من زعمهم هذا والمقصود أن اللّه قد تجلى لأهل اللّه برحمته فانكشف لهم جواز الرحمة في حق فرعون من وجوه الآيات وإشاراتها التي لا تنكشف للعلماء وسيتم الكلام في المسألة في آخر الفص إن شاء اللّه فإن قيل فما الحكمة في انكشاف هذا المعنى في حق فرعون من الآيات لأهل اللّه وعدم انكشافه لأهل الظاهر قلنا : أما عدم الانكشاف فلأنه لما كان رجاء العوام غالبا على خوفهم لبعضهم عن الحق باحتجابهم بالصفات النفسانية ، وكان العلماء رئيسهم ومقتداهم جعل اللّه في قلوبهم غيرة وجرأة حتى اجتمعوا وحكموا بحسب ورود ظاهر القرآن على شقائه في الآخرة فلم ينكشف لهم هذا المعنى اللطيف من الآيات ليظهر هذه الحكمة المقصودة ظهورها فلو كشف اللّه لهم ما كشف لأهل الفناء لم يظهر منهم هذا الحكم بل يظاهرون جواز الرحمة فيهلك الناس من الجهلاء بتخفيف الشرع المطهر فإنهم إذا سمعوا من علمائهم الذين هم رئيسهم جواز رحمة اللّه بمثل هذا الكافر المدعي الربوبية كانوا مغرورين بكرمه ولطفه وو سعة رحمته ، فزال عن قلوبهم خوف عظمة اللّه وكبريائه وقهاريته فاجترءوا على اللّه وارتكبوا المنهيات فهلكوا في بحار العصيان كهلاك فرعون وقومه وأما الانكشاف فلأنه لما كان خوف هذه الطائفة غالبا على رجائهم لأنهم أهل فناء وأهل قرب وكان حالهم أن يروا أنفسهم أحقر الأشياء وإذ لها عند اللّه حتى يشاهدون عند غلبة الفناء أن الكفار أعز وأكرم منهم عند اللّه فلو لم يطلعهم اللّه بإشارات القرآن الكريم في حق فرعون لمالوا عن الاعتدال